يعيشُ المَرءُ ما اِستَحيا بِخَيرٍ وَيَبقى العودُ ما بَقِيَ اللِحاءُ[1]
فَلا وَاللَهِ ما في العَيشِ خَيرٌ وَلا الدُنيا إِذا ذَهَبَ الحَياءُ
إِذا لَم تَخشَ عاقِبَةَ اللَيالي وَلَم تَستَحيِ فَاِفعَل ما تَشاءُ
قال الجنيد “الحياء رؤية الالآء، مع رؤية التقصير”، رؤيتان ينتج عنهما الحياء. وقال ذو النون: “الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء يسكت، والخوف يقلق”. فالحياء أن ترى عظمة الله وفضله ونعمه ولطفه، وقد غمرتك، وأنت لم تقدّم شيئا من الطاعات والأعمال الصالحة، بمستوى يليق بهذه النعم. فالحياء شعبة من شعب الإيمان وهو حالة نفسيّة، أساسها مراقبة الله تعالى، لقوله عز وجل: “أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ”. ففي واقع الحياة من كان يخضع لمراقبةٍ من سلطة تطلبه في الدنيا، تجده دائم الحذر منضبطاً في كل تصرفاته، فكيف من كان رقيبه الله تعالى في كل حركة وسكنة وخلجة قلب؟ فمن يؤمن بمراقبة الله تعالى، يستحِ أن يأخذ ما ليس له، ويخجل أن يهمل واجباته، أو أن يعصي الله سبحانه. والحد الأدنى للحياء ان لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك. ومن علامات الشقاء ترك الحياء، وإذا أراد الموحد أن يكون الحياء منهجا عمليّا لحياته وسلوكه اليوميّ، فعليه حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن يذكر الموت والبِلَى، وأن يؤثر ما يبقى على ما يفنى، وأن يعدّ نفسه من الموتى.
فإن لم يملك الإنسان حياء، فإنه لن يتورع عن انتهاك حرمات الناس بنظره، وأعراضهم بلسانه، ويأخذ ما لا يحقّ له من أموالهم، ويفضح أسرارهم، ويشتمهم، فنحن إلى القليل من الحياء أحوج منا الى الكثير من العلم من دون عمل.
والحياء صفة عامة في المجتمع مطلوب من أفراده كافة رجالا ونساء صغارا وكبارا، ولكنه يتجلى أكثر بهاء عند النساء، لذا فالبيئة الصالحة تتمتع نساؤها وبناتها بالحياء والستر الجميل.
وأرقى درجات الحياء عند النساء الحشمة وعدم اظهار مفاتن الجسد، فالأنوثة أدب وأخلاق وحياء، وليست أزياء خادشة للأخلاق والآداب العامة. والرجولة شهامة واحترام ونخوة وإباء وحفاظ على العرض والكرامة. فإذا ذهبت النخوة من رؤوس الرجال والحياء من وجوه النساء، يصبح المجتمع عرضة لبلاء تلو بلاء.
والفتاة قد فطرها الله تعالى على الحياء، فأي إنسان بدّل فطرة هذه الفتاة إلى التبذّل والوقاحة، فقد تجرّأ على ذنب عظيم كما قال عزّ وجلّ: “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.
وأصدق الحياء حياء الإنسان من الله تعالى في خلوته، فهذه سمة الإيمان والتوحيد اللازمة لكل من كان عنده صدق العلاقة مع الله تعالى، فإذا احتشمت النساء خجلت عيون الناظرين، وإذا غضّ الرجال أبصارهم عن محارم الله، احتشمت النساء سترا وصيانة.
ولعل من أرقى مشاعر الحياء، حياء سيدتنا البتول فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فلما مرضت مرض الموت التي توفيت فيه دخلت عليها أسماء بنت عميس تعودها وتزورها، فقالت لها فاطمة: والله إني لأستحي أن أخرج غدا، أي إذا مت، على الرجال فيرون جسمي من خلال هذا النعش، وكانت النعوش يومها عبارة عن خشبة مسطحة يوضع عليها الميت، ويُغطى بثوب، لكنه يصف حجم الجسم. حيث يروي عنها: إنّها اشتكت شكاتها التي قبضت فيها، وقالت لأسماء: إنّي نحلت فذهب لحمي، ألا تجعلين لي شيئاً يسترني ؟ فقالت أسماء: إنّي إذ كنت بأرض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئاً، أفلا أصنع لك مثله؟ فإن أعجبك صنعت لك. قالت عليها السلام: نعم، فدعت بسرير، فأكبته لوجهه، ثم دعت بجرائد ـ نخل ـ فشدّدته على قوائمه، ثم جلّلته ثوباً فقالت أسماء: هكذا رأيتهم يصنعون، فقالت: اصنعي لي مثله، اُستريني سترك الله من النار”.
لله درها تستحي وهي ميتة! فما بال الكثير من الأحياء لا يستحون؟! فالحياء في الملبس والمشي والكلام والأفعال، هو من أبرز صفات النساء العفيفات الطاهرات الشريفات، ويكفي كل النساء التشبّه والاقتداء بسيدتنا فاطمة الزهراء. وهناك من يعدّ الحياء تعقيدا في شخصيّة الفتاة، فإذا كانت سيدة نساء العالمين معقدة، فيا مرحبا بالمعقدات. والحال ليس كذلك، فالحياء لا يعني التعقيد، كما أن الحرية لا تعني التفلّت من القيم الدينيّة والأخلاقيّة والأدبيّة، بل الأمر كله مرتبط باتباع أوامر الله تعالى في الحلال والحرام والواجب والممنوع، لصيانة النفس عن الرذائل، والعمل الجاد لاكتساب الفضائل والقيام بالعبادات الواجبة التي فيها نيل رضى الله تعالى في الدنيا والآخرة.
بقلم: الأستاذ الشيخ نبيل رعد.
[1] أَبُو تَمَّام حَبِيبُ بن أَوْسٍ الطَّائِيّ (188- 231 هـ / 803- 845 م)، أحد أمراء البيان، ولد بمدينة جاسم (من قرى حوران بسورية) ورحل إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها.

