ببركة العيد ألقوا السلام بينكم

ببركة العيد ألقوا السلام بينكم

عندما تضعف المفاهيم تخرج عن روحيَّة المعنى، وتنحو مكانًا أجوف غير ذي هدف، فتنقلب المعايير وتتبدَّل الغايات، فتصبح مغايرة للبِّ الحقيقة، فتفقد نكهة الحياة وسعادتها وروحانيَّتها.

في الماضي، كان للعيد مقام ومعنى، وكانت الناس تنتظر ذاك الاستحقاق الزمني بفارغ الصبر، لأنه كان يمثِّل مناسبة جليلة لاكتساب الخيرات وفعل المبرَّات احتسابًا لوجه الله تعالى. فكانت الأنفس تلتحف برداء من العفَّة والطاعة والقبول لتلتقط كل نسمة خير تمتُّ إلى هذه المناسبة بصلة، لاستثمارها في مخزون الآخرة التي كانت تعني الكثير. فكان العيد مناسبة لجمع الشمل للأسر والعائلات، حيث تجتمع ليبارك بعضُها لبعض في هذه المناسبة الطيِّبة، وتلقي الأمن والسلام بين أفراد المجتمع. فإذا كان بين أحد الأفراد أو العائلات أي خلاف، يدعو كبار القوم إلى عقد صلح بين المتخاصمين مستخدمين عبارة: «ببركة العيد ألقوا السلام بينكم»، فيطيع من كان لا يطيع احتسابًا عند الله لقيمة هذا اليوم الجليل.

وإذا كان بيت فيه فقيد وأم ثكلى، يأتون للمواساة وتخفيف الآلام عمَّن فقدوا حبيبًا. وإن كان بيت فقير معوز، أتاه الجمع حاملين له الهدايا بطريقة غير ظاهرة لا تخدش مشاعره بأنه دون غيره من الميسورين، فيقوم بواجب التكريم ويحسُّ بموقعه بالمحبَّة والمؤازرة في محيطه، حيث تتمُّ البهجة والسرور للآخذ والمانح. فكانت الفرحة والحبور تغشى الأنفس قبل الأجساد التي كان لها نصيب بلبس كل جديد تتحلَّى به في يوم العيد، حيث التمايز عن بقيَّة الأيام.

أما اليوم، فإذا اختصرنا مفهوم العيد عند السواد الأعظم من الناس، رأيناه ينطق بلسان الحال قائلًا: مأكول ومشروب وبذخ وإسراف، وفرقعة توتِّر الأعصاب وتزيد المصاب، وتوصد من الرحمة كل باب، وملابس فاحشة، ونفوس مضطربة راعشة، وجفاء وتكبُّر وخيلاء وقطيعة رحم وأنانيَّة كبرى، إلا من رحم ربِّي.

رحماك ربِّي… كل عام وأنتم في أحسن حال، عيد مبارك وظروف أفضل.

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.