يَقِفُ الْإِنْسَانُ الْمُعَاصِرُ فِي قَلْبِ طَفْرَةٍ تَكْنُولُوجِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ، حَوَّلَتْ نَمَطَ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيِّ مِنَ الْبِدَائِيَّةِ الشَّاقَّةِ إِلَى الرَّفَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ. وَمَعَ هَذَا التَّبَدُّلِ الْمُتَسَارِعِ فِي مُتَغَيِّرَاتِ الْعَصْرِ، تَظَلُّ الثَّوَابِتُ الدِّينِيَّةُ رَاسِخَةً كَأَوْتَادٍ لَا تُزَعْزِعُهَا رِيَاحُ التَّحْدِيثِ. إِنَّ هَذَا التَّطَوُّرَ الْهَائِلَ فِي وَسَائِلِ الْعَيْشِ لَيْسَ مُجَرَّدَ طَفْرَةٍ مَادِّيَّةٍ بِالصُّدْفَةِ، بَلْ هُوَ قَدَرٌ إِلَهِيٌّ مَقْدُورٌ، يَسَّرَ اللَّهُ بِهِ سُبُلَ الْحَيَاةِ لِلْبَشَرِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ الصَّادِمَةَ تَكْمُنُ فِي طَرِيقَةِ تَعَامُلِ الْإِنْسَانِ مَعَ هَذَا الْكَرَمِ الرَّبَّانِيِّ؛ حَيْثُ تَحَوَّلَتِ النِّعْمَةُ مِنْ وَسِيلَةٍ لِتَحْرِيرِ الرُّوحِ وَإِفْرَاغِ الْجُهْدِ لِلْآخِرَةِ، إِلَى الْغَرَقِ فِي طِينِ الدُّنْيَا وَزِيَادَةِ التَّكَالُبِ عَلَيها.
مِنْ شَقَاءِ الْفَأْسِ إِلَى رَفَاهِيَّةِ الْآلَةِ: مُقَارَنَةٌ بَيْنَ جِيلَيْنِ:
عَاشَ الْإِنْسَانُ الْقَدِيمُ كَدْحاً يَدَوِيّاً شَاقّاً فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ اسْتَهْلَكَ تَحْصِيلُ الْقُوتِ الْيَوْمِيِّ طَاقَةَ الْجَسَدِ كَامِلَةً، وَانْقَضَتِ الْأَعْمَارُ بَيْنَ حَرْثِ الْأَرْضِ وَانْتِظَارِ الْمَطَرِ، وَلَكِنْ رَغْمَ الْمُشَقَّةِ، بَقِيَتِ الْفِطْرَةُ قَرِيبَةً مِنَ الْخَالِقِ، وَكَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَى أَرْزَاقِ النَّاسِ؛ أَمَّا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُتَطَوِّرَةِ الْحَدِيثَةِ فَقَدْ تَوَلَّتِ الْآلَةُ وَالْأَنْظِمَةُ الذَّكِيَّةُ الْقِيَامَ بِالْمَهَامِّ الصَّعْبَةِ، وَتَأَمَّنَتِ الِاحْتِيَاجَاتُ الْمَعِيشِيَّةُ بِضَغْطَةِ زِرٍّ وَاحِدَةٍ، وَنَالَ الْجَسَدُ قِسْطاً وَافِراً مِنَ الرَّاحَةِ وَالْأَمَانِ، حَيْثُ اخْتَصَرَتِ التِّقْنِيَّةُ الْحَدِيثَةُ مَسَافَاتِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِشَكْلٍ مُذْهِلٍ.
فَمَا الْغَايَةُ إِذَنْ مِنْ هَذَا الْكَرَمِ الرَّبَّانِيِّ؟!
إِنَّ الْحِكْمَةَ الْعَامَّةَ مِنْ وَرَاءِ نَقْلِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ طَوْرِ الْجُهْدِ الْبَدَنِيِّ الْمُضْنِي إِلَى طَوْرِ الرَّاحَةِ وَالْوَفْرَةِ، تَتَجَلَّى فِي إِرَادَةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فِي تَخْفِيفِ الْأَثْقَالِ عَنْ كَاهِلِ الْإِنْسَانِ.
لَقَدْ كَفَاكَ اللَّهُ مُؤْنَةَ الْبَحْثِ الطَّوِيلِ عَنِ الْكِسَاءِ وَالْغِذَاءِ، لِكَيْ يَمْنَحَكَ أَثْمَنَ عُمْلَةٍ فِي رِحْلَتِكَ الْدنيَويَّة: الْوَقْتَ وَالْجُهْدَ النَّفْسِيَّ، وَمَا كَانَ الْهَدَفُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ التَّسْهِيلَاتِ إِلَّا تَفْرِيغَ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ لِتَدَبُّرِ الْغَايَةِ مِنَ الْوُجُودِ، وَاسْتِغْلَالَ رَاحَةِ الْبَدَنِ فِي التَّوَسُّعِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَوْجِيهَ الْفَائِضِ مِنَ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ لِبِنَاءِ رَصِيدٍ حَقِيقِيٍّ لِلْآخِرَةِ.
لَكِنَّ لِلنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي تَغَوَّلَتْ فِي النِّعْمَةِ رَأْياً آخَرَ فِي وَاقِعِ الِانْحِرَافِ وَهُوَ نُكْرَانُ النِّعْمَةِ بِزِيَادَةِ الْجَشَعِ، حَيْثُ خَيَّبَ السُّلُوكُ الْبَشَرِيُّ الْعَامُّ التَّوَقُّعَاتِ، وَلَمْ يَلْتَقِطِ الْإِشَارَةَ الْإِلَهِيَّةَ بِكَرَمِهَا وَجُودِهَا. فَبَدَلاً مِنْ أَنْ يُتَرْجِمَ الْإِنْسَانُ فَرَاغَ وَقْتِهِ وَرَاحَةَ بَدَنِهِ إِلَى فِكْرٍ عَمِيقٍ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الْوُجُودِ، وَإِلَى حَمْدٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى فَوَائِضِ أَنْعَامِهِ، وَإِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ تَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، حَدَثَتِ الِانْتِكَاسَةُ الْفِكْرِيَّةُ، وَاسْتُغِلَّتْ وَسَائِلُ الرَّاحَةِ كَمُحَفِّزَاتٍ لِمُضَاعَفَةِ الرَّكْضِ وَرَاءَ الْمَادَّةِ، حَيْثُ أَصْبَحَ الْوَقْتُ الْمُوَفَّرُ أَدَاةً لِفَتْحِ جَبَهَاتٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الِاسْتِهْلَاكِ وَالتَّرَفِ، وَتَضَخَّمَتِ “الدُّنْيَا” فِي الْقُلُوبِ بِقَدْرِ تَضَخُّمِ الْآلَاتِ فِي الْمَصَانِعِ، وَتَحَوَّلَ الْفَرَاغُ إِلَى عِبْءٍ نَفْسِيٍّ، يَهْرُبُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمُلْهِيَاتِ وَالْمُشَتِّتَاتِ الرَّقْمِيَّة.
لَقَدْ وَقَعَ الْإِنْسَانُ فِي فَخِّ الشَّقَاءِ الِاخْتِيَارِيِّ؛ فَبَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ التَّطَوُّرُ مِنْ شَقَاءِ الْبَدَنِ، أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي شَقَاءِ الرُّوحِ، مُتَنَاسِياً أَنَّ ثَبَاتَ الدِّينِ جَاءَ لِيَضْبِطَ حَرَكَةَ الْعَصْرِ، وَأَنَّ رَاحَةَ الْجَسَدِ مَا جُعِلَتْ إِلَّا لِتَكُونَ مَطِيَّةً لِإِفْرَاغِ جُهْدِ الْفِكْرِ فِي الْعِبَادَاتِ وَعِمَارَةِ الْآخِرَةِ.
كَيْفَ نَعُودُ بَعْدَ هَذَا التَّدَهْوُرِ وَالِانْحِطَاطِ إِلَى وَعْيِ الْحَلِّ وَتَوْجِيهِ الْمَسَارِ؟!
إِنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ مَأْزَقِ “الشَّقَاءِ الرُّوحِيِّ فِي عَصْرِ الرَّفَاهِيَّةِ” لَا يَكْمُنُ فِي مُعَادَاةِ التَّطَوُّرِ أَوِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْحَيَاةِ الْبَدَائِيَّةِ، بَلْ فِي إِعَادَةِ ضَبْطِ الْبُوصَلَةِ الْفِكْرِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ. إِنَّ الْحَلَّ الْحَقِيقِيَّ يَتَلَخَّصُ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ عَقْلِيَّةِ “الِاسْتِهْلَاكِ الْأَعْمَى” إِلَى وَعْيِ “الْحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ“، عَبْرَ اسْتِرْدَادِ سُلْطَةِ الْوَقْتِ وَتَرْوِيضِ التِّقْنِيَّةِ بَدَلاً مِنَ الِانْقِيَادِ لَهَا، وَتَحْوِيلِ الدَّقَائِقِ الْمُوَفَّرَةِ بِفَضْلِ الْآلَاتِ إِلَى خَلَوَاتٍ لِلذِّكْرِ، وَالتَّدَبُّرِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ عَاجِلاً وَآجِلاً، كَمَا التَّنَبُّهِ إِلَى إِمْكَانِيَّةِ عَصْرَنَةِ الْعِبَادَةِ وَالْفَهْمِ أَنَّ رَاحَةَ الْبَدَنِ هِيَ وَقُودٌ مُتَجَدِّدٌ، يَجِبُ تَوْجِيهُهُ لِعِمَارَةِ الْقُلُوبِ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ الْإِنْسَانِ فِي وُجُودِهِ، وَمُسَاعَدَةِ الْخَلْقِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، ثُمَّ الْفَصْلِ بَيْنَ الْوَفْرَةِ الَّتِي فِي الْيَدِ وَالتَّعَلُّقِ بِالْقَلْبِ، بِحَيْثُ تَمْلِكَ الدُّنْيَا وَوَسَائِلَهَا الْمُتَقَدِّمَةَ فِي يَدِكَ لِتَسْخِيرِهَا لِغَايَاتِكَ الْفَاضِلَةِ، من دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لَهَا بِالتَّسَلُّلِ إِلَى قَلْبِكَ لِتَمْتَلِكَكَ وَتُنْسِيَكَ آخِرَتَكَ وَمَعَادَكَ.
إِنَّ التَّطَوُّرَ الْمُعَاصِرَ هُوَ اخْتِبَارٌ إِلَهِيٌّ مَكْشُوفُ الْأَوْرَاقِ؛ إِمَّا أَنْ تَجْعَلَ مِنْ وَسَائِلِ الرَّاحَةِ جِسْراً يَعْبُرُ بِكَ سَرِيعاً وَبِأَقَلِّ جُهْدٍ إِلَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ تُحَوِّلَهَا إِلَى قُيُودٍ ثَقِيلَةٍ تَشُدُّكَ إِلَى طِينِ الْأَرْضِ. لَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْكَ عَنَاءَ الْجَسَدِ، فَلَا تُثْقِلْ عَلَى نَفْسِكَ عَنَاءَ الرُّوحِ، وَاجْعَلْ مِنْ نِعَمِ الْعَصْرِ مَطِيَّةً لِلْفَوْزِ فِي النَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ السَّرْمَدِيِّ…!!
بقلم: الأستاذ الشيخ زهير عطالله / لبنان.

