تراتيلُ الروح في أفقِ الوعي

تراتيلُ الروح في أفقِ الوعي

أعانقُ الصمتَ في هدأةِ الجمال، فتغمرني النسائمُ المتكلّمةُ بدغدغاتِ الاحتواءِ وهمساته، وكأنّها تُلملم وشوشاتِ روحي لتعيدها إلى مَن أطلق شعاعها الأوّل، فأجدني أقرأ ذاتي في دندناتِ تناقضاتها؛ لا لأتوه فيها، بل لأرتقي بها نحو معالمِ النور، علّني أحتوي ذلك الحبَّ المتراكم في حدائقِ فؤادي، حيث تنبت الطمأنينةُ من بذور الإيمان، وتزهر الوداعةُ في ظلال الطاعة.

وعلى هدى هذه الزرقةِ الواسعة، أسكب ألحانَ كينونتي، فتغمر الذبذباتُ الحالمةُ جمالاتِ الوعي، ويغدو الصمتُ صلاةً لا تُتلى بالحروف، بل تُرتَّل بنبض القلب وصفاءِ النيّة. ثم أعود من التحليق إلى التحليق، وكأنّ كلَّ وصولٍ بدايةُ ارتقاءٍ جديد، خلف رسوماتِ المكان وموسيقى الزمان، وأنا أزداد يقينًا بأنّني الإبحارُ اللامتناهي بين الصمت والكلام، وبين الرقيّ والالتزام، وبين السؤال والجواب.

وعند حفافَي النبض، أراقص الوجدان، فينتابني الحبُّ الأبديُّ المسكونُ بصورةِ الحقيقة، تلك الحقيقة التي لا تُدركها الأبصارُ وحدها، بل يبصرها القلبُ إذا تجرّد من غبار الأنا، واغتسل بماء التواضع والزهد، واستنار بشفافية الإيمان. فأظلّ أجمع صفاءَ سلامها، وطهرَ مغزاها، وغبطةَ احتوائها، لتغدو الأنسنةُ رسالةً تُترجم الرحمة، وتصون الكرامة، وتحتضن الإنسان في إنسانيّته قبل كلّ انتماء.

وهل المعرفةُ إلّا لآلئُ يلتقطها القلبُ حين يتطهّر من رواسب اللاوعي، ويستسلم لنور الوعي المتجدّد؟ وهل الإيمانُ إلّا انفتاحٌ دائمٌ على الحقيقة، وثقةٌ هادئةٌ بأنّ الله تعالى يقود الخطى إلى حيث يكتمل المعنى، ولو طال الطريق؟

وعند سكون العشق الإلهي، المكتوب بالطاعة، والمتجلّي بالنقاء، أشعر أنّ الروح تُولد من جديد، وأنّ كلّ لحظةِ صفاءٍ هي ميلادٌ آخر للإنسان، وكلّ سجدةِ صدقٍ هي ارتقاءٌ جديد نحو ينابيع النور التي لا تنضب.

آهٍ لهذا الدربِ الطويل، المتجدّد مع كلّ تمتمةِ صمت، ومع كلّ إشراقةِ وعي، ومع كلّ سؤالٍ يوقظ القلب ولا يُثقله. إنّه دربُ الارتقاء، حيث لا يكون الموتُ نهايةً، بل تحوّلًا في مسيرة الحياة، وانتقالًا من أفقٍ إلى أفق، ومن شهودٍ إلى شهود.

ولطالما رفض الإنسانُ هذه الحقيقة خوفًا من المجهول، غير أنّ الموت، في جوهره، ليس انطفاءً، بل عبورٌ نحو سرٍّ أرحب، ما دامت الروحُ لغةَ الانعتاق، وما دام اللهُ هو مبدأ النور ومنتهاه. فالروح لا تنتمي إلى الفناء، بل إلى الأبدية التي أودعها الخالق فيها، لتظلّ في رحلةِ التزكية والسموّ، كلّما تحرّرت من أثقال الذات، واقتربت من ينابيع المحبّة والحق.

وهنا يقف الإنسانُ، في آنٍ واحد، مختبِرًا ومختبَرًا، يسائل نفسه قبل أن يسائل الوجود، ويكتشف أنّ أعظم التجارب ليست في إخضاع العالم، بل في تهذيب النفس، وتزكية القلب، وصقل الضمير، حتى يصبح مرآةً تعكس نور الحقيقة.

وما أسمى أن يُدرك الإنسان أنّ رسالته ليست أن يعيش لنفسه فحسب، بل أن يُضيء، وأن يحتضن، وأن يزرع بذور الخير حيثما مرّ، فتغدو الأنسنةُ عبادةً، والرحمةُ منهجًا، والوعيُ مسؤوليةً، والمحبةُ فعلًا يوميًّا يُجسّد صورةَ الله في أخلاق الإنسان.

وهكذا أواصل المسير، بين إشراقٍ وإشراق، أحمل في أعماقي يقينًا لا يخبو، بأنّ النور لا يغيب عمّن صدق في طلبه، وأنّ الإيمان إذا اقترن بالوعي، والوداعة إذا اقترنت بالقوّة، والزهد إذا اقترن بالمحبّة، صنعت جميعها إنسانًا يسمو على حدود الزمان والمكان، ليخطَّ الإنسانَ الإنسان، ويترك في صفحات الوجود أثرًا من نورٍ، وسلامًا من حقّ، ونبضًا من محبّةٍ لا ينتهي.

بقلم: الاستاذ هيثم عربيد.

مدير مكتبة الأمير شكيب أرسلان الدوليّة، المكتب الثقافي التربوي.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.