جيل يصنعه الوعي لا تستهلكه الماديات

جيل يصنعه الوعي لا تستهلكه الماديات

في غمرة هذا العصر الصاخب المتسارع، وفي لُجّة التحولات التي تجتاح مجتمعاتنا، يرقب المصلحون والمحبون، بصرخة مدوية من الهلع والخوف، وبكثير من الوجل والأسى، ظاهرةٌ تكاد تعصف بأثمن ما نملك؛ ألا وهي سيولة القيم وانفراط عقد الأخلاق لدى نبتنا الغضّ وجيلنا المعاصر. إننا لا نشهد مجرد تبدل في العادات أو تجديد في أنماط العيش، بل نواجه اغتراباً روحياً حقيقياً، وجفاء معنويا، وتخلياً طوعياً عن الحصن الديني الحصين الذي صان هويتنا لقرون خلت. لقد بات هذا الجيل الحائر يطفو فوق سطح الماديات بلا بوصلة ترشده، بعد أن هجر مرساة الفضيلة التي تجعل للحياة معنى وعمقاً، ليرتمي في أحضان ثقافة استهلاكية زائغة زائفة تُعنى بالقشور وتُهمل الجوهر.

والحقُّ أن هذا الهجران المنظم لمداميك الأخلاق والدين لم يورث أصحابه حريةً كما وُعدوا، بل أورثهم شتاتاً نفسياً وضياعاً وجدانياً لا تخطئه العين. فبينما يظن الشباب المعاصر أنه تحرر من قيود الفضيلة، يجد نفسه فجأةً أسيراً لعواصف القلق والتحيّر والشتات، وضحيةً لرهاب المقارنات الرقمية في عالمٍ يقدس المظهر ويحتقر المخبر. إن تفريغ الحياة من شحنتها الروحية، الذي وُجد من أجلها، وتحويل الإنسان إلى مجرد ترس في آلة الاستهلاك الجارفة، قد تَسبب في تصدع الروابط الأسرية، وغياب الطمأنينة عن البيوت. لقد بات الجيل اليوم يواجه منعطفات الحياة الكبرى بلا سكينَةٍ تَعصمه من السقوط، ولا مبادئ راسخة يتكئُ عليها عند أول خيبة، ليصبح كالهشيم الذي تذروه رياح المادية أينما تشاء.

بيدَ أن هذا التيه ليس قدراً محتوماً، لاننا نحن شاركنا بصنعه. وفجر العودة لا يزال يلوح في الأفق إذا ما تضافرت جهود النفس والمحيط، بجدٍ قاطعٍ حازم دون تفريط.

إن أولى أهم خطوات الخلاص تبدأ من أعماق الذات؛ وهي حاجة الشباب لالتماس السكينة الروحية في رحاب الوحي والفضيلة والقيم في الدين التوحيدي  الحنيف، حيث يجد القلب ملاذه الآمن وتنجلي عنه غشاوة الحيرة. غير أن هذا الوعي الذاتي الغضّ يحتاج إلى سياج يحوطه، وهنا يتجلى دور التربية الواعية التي لا تقوم على القهر، بل على الاحتواء والحوار، جنباً إلى جنب مع الصحبة الصالحة التي تشد العضد وتثبّت الخطى. إن العودة إلى الفضيلة ليست تقييداً للحرية كما يروّج الوهم، بل هي تحرر حقيقي من عبودية المظاهر، واسترداد لسلامٍ داخلي لا يمنحه صخب العالم وضجيجه، ليعود المرء متصلاً بنبعه الأول، مستمسكاً بالعروة الوثقى التي لا تنفصم.

ختاماً، هذا نداءٌ صادق نسوقه إلى شبابنا بأن يربأوا بأنفسهم عن أن يكونوا مجرد صدىً لعصرٍ ماديّ يجرف هوية الإنسان، وأن يستمسكوا بحبل الله المتين ليصنعوا لأنفسهم وجوداً حقيقياً يفيض طهراً وبهاء ونقاءً. وفي الوقت ذاته، هو نداءٌ يُقرع في مسامع الآباء والمجتمع قاطبة: ألّا تتركوا هذا الجيل وحيداً في مواجهة الرياح العاتية، بل كونوا لهم الملاذ الآمن والقدوة الحية، والمرشد المدرك، واغرسوا في نفوسهم مداميك الفضيلة. فلنتقاسم جميعاً أمانة البناء، ولنوقن بأن الأعمار مهما طالت تزول، ولا يبقى تحت شمس هذه الحياة إلا الأثر الصالح والعطاء الخالد، والنبت الذي سُقي بماء الوحي والفضيلة.

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.