تُغدِق علينا ليالي العَشْرِ بحلولها طيفاً من حضور، ومزيجاً مُحبَّباً من الهيبة والسكون… وتُوجد بأنسها في الذّات تناسيم الطّيب وهبائب الاستشعار الرّهيب… فتوقظ في الروح ما خَبَا تحت صخب الأيام، وتُعيد للقلوب قدرتها على الإصغاء لنداءِ المعنى قبل ضجيج العادة.
ومع فضيلة هذه الأيام، وما نستشعره حيالها من تقديرٍ وإكرام، نجد أنفسنا غالباً طيِّعةَ اللِّجام، منساقةً بقيد الزِّمام، نتيجةَ متابعة الفرائض والأحكام، لكنّ السرّ الأعمق ليس في اعتياد الطاعة فحسب، بل في أن تكتشف النفس أنّها كلّما اقتربت من الله، خفَّ عنها ثِقلُ العالم، وكأنّ العبادة ليست تكليفاً بقدر ما هي عودةٌ هادئةٌ إلى الحقيقة.
فيا حبَّذا لو نأخذ من هذه الأيام عِبرة، ونجعلها تجربةً ممتدّةً لا موسماً عابراً؛ لنسلك بها في قادم الأيام حسن السلوك، ونُبقي في أرواحنا شيئاً من هذا الصفاء بعد انقضاء العيد.
فلعلّ بمسلكٍ بسيطٍ رقيق، وكلمةٍ تُجبر خاطراً، أو عفوٍ يرفع قسوةً عن قلب، نفرّج عمّا في دواخلنا من محابس الضيق، ونهمز تبعاتِ تقصيرنا كي تستفيق.
فنحتاط قبل الأجل بما تستنفره كوامننا من وجل، وتدرج عليه قوائمُنا من عمل. ففي عيد الأضحى معنى يتجاوز الفرح الظاهر؛ إذ يذكّرنا أنّ أعظم ما يملكه الإنسان ليس ما يحتفظ به، بل ما يستطيع أن يقدّمه بقلبٍ مُطمئن.
فالأضحية هي انتصارِ المعنى على التعلّق، وانتصارِ اليقين على الخوف، وكأنّ العيد يهمس لنا بأنّ الأرواح التي تعرف كيف تُضحّي، هي وحدها التي تعرف كيف تتحرّر.
أضحى مبارك للجميع
بقلم: الأستاذ الشيخ رامي حمص.

