في مقامِ الجَذبِ والوَصلِ

في مقامِ الجَذبِ والوَصلِ

حِينَ يَسبِقُ النِّدَاءُ خُطوَةَ السَّالِك يَظُنُّ العَابِرُونَ المَحجُوبُونَ بِحُدُودِ الرَّسمِ أَنَّ المَسِيرَ إِلَى اللّٰهِ قَطعُ المسَافَاتٍ بِأَقدَامِ الجَوَارِحِ، أَو أَنَّ التَقرُّبَ من الحَضرَةَ العَلِيَّةَ مَتجَرٌ تُحصَى فِيهِ المَقَادِيرُ بِأَرقَامِ الحِسَابِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ السَّيرَ إِلَيهِ بِالقُلُوبِ لَا بِالأَبدَانِ، وَأَنَّ الرِّحلَةَ مَبدَؤُهَا جَذبَةٌ، وَمُنتَهَاهَا مَحَبَّةٌ.

يَا مِسكِينَ، لَوْ أَبصَرْتَ بِبَصِيرَتِكَ لَعَرَفتَ أَنَّكَ مَا تَحَرَّكتَ إِلَيهِ خُطوَةً إِلَّا لِأَنَّهُ سُبحَانَهُ اقْتَلَعَكَ مِن قَيدِ غَفلَتِكَ بِنِدَائِهِ الأَزَلِيِّ. وَمَا خَفَقَ صَدرُكَ بِالتَّوقِ وَاللَّهَفةِ إِلَّا لِأَنَّ شُعَاعاً مِن نُورِهِ القُدُسِيِّ قَد أُسقِطَ فِي سُوَيدَاءِ قَلبِكَ، فَأَشعَلَ فِيكَ حَنِينَ الغَرِيبِ إِلَى وَطَنِهِ الأَوَّلِ…!! المَسِيرُ إِلَيْهِ بِهِ، وَالبِدَايَةُ مِنهُ، وَالنِّهَايَةُ إِلَيهِ.

حِينَمَا تَضِيقُ عَلَيكَ مَضَايِقُ النَّفْسِ، وَتَتَسَاقَطُ حَولَكَ أَسبَابُ الأَرضِ، ثُمَّ تَنزِلُ عَلَى فُؤَادِكَ سَكِينَةٌ بَارِدَةٌ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ؛ فَلَا تَحسَبْ ذَلِكَ عَرَضاً عَابِراً أَو مُصَادَفَةً مِن دَهرٍ غَافِلٍ. تِلكَ يَا صَاحِبِي إِشَارَةٌ الحَضرَةِ حِينَ أَرَادَ أَن يُطْعِمَ قَلبَكَ طَعمَ اليَقِينِ فِي جَوفِ كُلِّ خَوفٍ، فَيَقُولُ لَكَ لِسَانُ الحَالِ: “أَنَا مَعَكَ”.

وَإِذَا نَزَلَت بِكَ نَوَازِلُ كَسرِ المَقَادِيرِ، فَتَفَتَّتَتْ هِمَّتُكَ وَجُرِحَت رُوحُكَ، فَاعلَم أَنَّ هَذَا الكَسرَ لَم يَكُنْ إِهَانَةً بَل كَانَ “اسْتِدعَاءً خَاصاً” لِخَلوَةِ الجَبرِ. إِنَّهُ سُبحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يُجالِسَ القُلُوبِ المُنكَسِرَةَ لِأَجلِهِ…. هُنَاكَ، وَفِي عَتَمَةِ الانكِسَارِ، تَذُوقُ حَلَاوَةَ نِدائِهِ، وَهُوَ يَلُمُّ شَعَثَ رُوحِكَ، وَيُعِيدُ تَرمِيمَ خَرَابِ الطِّينِ لِيَجعَلَهُ مِرآةً لِتَجَلِّي صِفَاتِهِ.

إِنَّ هَذَا الفَيضَ اللَّدُنِيَّ لَيسَ نَادِراً وَلَا مَحصُوراً فِي خَوَاصِّ الخَوَاصِّ، بَل هُوَ مَطَرٌ رُوحِيٌّ يَهطِلُ فِي كُلِّ لَحظَةٍ. يَتَنَزَّلُ مَعَ زَفِيرِ النَّادِمِينَ وَأَنْفَاسِ المُستَغْفِرِينَ، وَيَجرِي مَعَ عَبَرَاتِ الرَّجَاءِ، وَيَنبِضُ فِي كُلِّ فُؤَادٍ يَصرُخُ بِصِدْقِ الِافْتِقَارِ: “يَا رَبِّ”.

رُبَّمَا يَفْتَحُ لَكَ المَلِكُ بَابَ الوُصُولِ بِدَعوَةٍ هَامِسَةٍ تُرسِلُهَا مِن سِجنِ لَيلِكَ تُفْرِغُ فِيهَا شُحنَاتِ هَمِّكَ العَظِيمِ فَوقَ تُرَابِ الذِّلَّةِ بَينَ يَدَيْهِ عزّ وجلّ.

ومَادُمتَ تَحبُو إِلَيهِ مُتَعَثِّراً بِنَقصِكَ، فَسَيَلقَاكَ سُبحَانَهُ بِهَروَلَةِ فَيْضِ رَحَمَاتِهِ…!!  وَمَادُمتَ تُنَادِيهِ بِصَوتٍ مَخلوطٍ  بِدُّمُوعِ الإنكِسارِ، فَاعلَم أَنَّهُ لَيسَ بَعِيداً لِتَرفَعَ الصَّوتَ، بَل هُوَ أَقرَبُ إِلَيكَ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ، يَسمَعُ نَأْمَةَ نَفسِكَ قَبلَ أَنْ تَنطِقَ بِهَا الشَّفَتَانِ.

فَسَلَامٌ عَلَى المُرِيدِينَ الذِينَ يَطرُقُونَ بَابَ الرَّحمَةِ بِيَقِينِ المَسَاكِينِ، وَلَا يَمَلُّونَ الوُقُوفَ عَلَى العَتَبَاتِ. وَسَلَامٌ عَلَى الأَروَاحِ الَّتِي تَستَمِدُّ مِن سِرَاجِ أَنوَارِهِ كُلَّمَا أَظلَمَتْ فِي أَعيُنِهَا مَسَالِكُ الحَيَاةِ، فَتَسِيرُ بِنُورِ اللَّهِ فِي العَالَمِينَ.

بقلم: الأستاذ الشيخ زهير عطالله.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.