لَمْلِموا صمتَ الدُّجى، واتركوا للحرّيّة أن تستيقظ في أعماقكم؛ فما الكرامةُ إلا أن يعرف الإنسانُ قدرَ النور الكامن فيه، وما الوعيُ إلا أن يرى ذلك النورَ حين تتساقط عن الروح أقنعةُ الوهم. أمّا العدالة، فليست ميزانًا بين يدٍ ويد، بل ارتواءُ الروح من نبع الحقيقة، حيث لا يُقاس الإنسانُ بما يملك، بل بما يضيفه إلى إنسانية الآخرين.
يا بني أمّي، لا تهجروا جمال السكون؛ ففي السكون تنضج الكلمات قبل أن تولد، وفي الوداعة تختبئ قوّةٌ لا تحتاج إلى صخب، وفي النوايا الطيّبة مفاتيحُ لأبوابٍ لا تفتحها إلا الأرواح التي عرفت أن المحبّة ليست ضعفًا، وأن الصفاء ليس هروبًا من العالم، بل طريقةٌ أعمق للعبور فيه.
وراء الشكل، حيث تتخفّف الأشياء من أسمائها، يبدأ التجلي؛ هناك يصبح النورُ لغةً، واللونُ موسيقى، والصمتُ قصيدةً، وتغدو هندسات الوجود مرايا لروحٍ تبحث عن صورتها الأولى. فما نراه كثافةً قد يكون لطافةً متخفّية، وما نحسبه نهايةً قد يكون عتبةً إلى بدايةٍ لم نعرفها بعد.
يا أيّها الساكن في أعماق حقيقتي، لا تجعلني أروّض نفسي بالقهر، بل بالحكمة؛ ولا أُهذّبها بالخوف، بل بالمحبّة؛ ولا أطلب صفاءها بالابتعاد عن الإنسان، بل بالاقتراب منه دون امتلاك، وبالنظر إليه دون حكم، وبالإصغاء إليه حتى أسمع في صوته شيئًا من صوتي. خذني إلى حيث يلتقي الكثيف باللطيف، وحيث لا يعود النور ضيفًا على الروح، بل وطنًا لها. علّمني أن أصعد سلّم الوعي لا لأعلو على أحد، بل لأتخفّف من كلّ ما يحجب عنّي الإنسان؛ فما الارتقاء أن نغادر الأرض، بل أن نعود إليها أكثر رحمةً، وأكثر بصيرةً، وأكثر قدرةً على صناعة الخير.
وحين أقول: أنا أنتَ يا أخي، لا أُلغي اختلافنا، بل أكتشف جماله؛ فأنتَ لستَ صورتي، وأنا لستُ صورتك، لكنّ بيننا سرًّا لا تملكه الأسماء: سرّ الإنسان حين يتحرّر من حدود الأنا، فيرى الآخر امتدادًا للمعنى لا خصمًا للوجود.
ومن هنا تولد القصيدة؛ لا لتزيّن الكلام، بل لتفتح نافذةً في جدار المألوف. تصبح الكلمةُ تربيةً، والصمتُ إصغاءً، والإبداعُ مسؤوليةً، والحضورُ فعلَ محبّة. وتغدو القصيدة مدرسةً من مدارس النور؛ نتعلّم فيها أن الجمال الذي لا يوقظ الأخلاق ناقص، وأن المعرفة التي لا تُنضج الإنسان عبءٌ آخر من أعباء الجهل.
هناك، في مدرسة النور، لا نتعلّم امتلاك الحقيقة؛ فالحقيقة أكبر من أن تسكن في يد، وأوسع من أن تُختصر في قول. نتعلّم فقط أن نقترب منها بقلوبٍ أقلّ غرورًا، وبعقولٍ أكثر اتساعًا، وبأرواحٍ مستعدّة لأن تتغيّر كلّما انكشف لها وجهٌ جديد من وجوه المعنى.
وحين تتصافح شفافية الإبداع مع الحكمة، ويعانق الجمالُ الأخلاق، يتحوّل الألق من صورةٍ عابرة إلى أثر، ومن انبهارٍ إلى سلوك، ومن فكرةٍ إلى حياة. عندها لا يعود الوعي معرفةً نضعها فوق رؤوسنا، بل نورًا نحمله في طريقة كلامنا، وفي طريقة اختلافنا، وفي قدرتنا على أن نترك في قلب الآخر مساحةً للسلام.
فيا بني أمّي، دعوا الصفاء يمشي بينكم كما يمشي الضوء على الماء؛ لا يملك الماءَ ولا يغيّر طبيعته، لكنه يكشف جماله. ودعوا المحبّة تكون حضورًا لا امتلاكًا، والحرّيّة مسؤوليةً لا انفلاتًا، والرجاءَ يقظةً لا انتظارًا.
ولنمضِ معًا، لا بحثًا عن خلاصٍ فرديّ، بل عن إنسانٍ يستحقّ أن يُرى، وأن يُصان، وأن يُحبّ؛ إنسانٍ لا يخاف اختلافه، ولا يجعل من اختلاف الآخر جدارًا، ولا يحوّل الحقيقة إلى سيفٍ في وجه أخيه.
فالحقيقةُ ليست شيئًا نقبض عليه؛ إنّها نورٌ كلّما اقتربنا منه كشف لنا ما فينا من ظلال. والحرّيّةُ ليست أن نفعل كلّ ما نشاء؛ بل أن نتحرّر ممّا يمنعنا من أن نكون ما خُلِقنا لنكونه.
والوعيُ ليس أن نعرف أكثر؛ بل أن نرى أعمق، ونؤذي أقلّ، ونحبّ أصدق، ونترك العالم بعد مرورنا فيه أكثر إنسانية. وعندما يبلغ الإنسانُ تلك العتبة، لا يعود بحاجةٍ إلى أن يقول: لقد وجدتُ النور؛ لأنّه سيكتشف، في أهدأ لحظةٍ من وجوده، أنّ النور لم يكن بعيدًا عنه يومًا.. كان يسكنه، وينتظر أن يصحو.
بقلم: الأستاذ هيثم نبيه عربيد؛ مدير مكتبة الأمير شكيب أرسلان الدوليّة، المكتب الثقافي التربوي.

