من متاهة الزمان إلى جوهر الوجود

من متاهة الزمان إلى جوهر الوجود

الحمد لله العظيم الشّان، الذي لا يدركه جنان ولا يعبّر عن عظمته لسان، الباطن الذي لا تدركه غاية، والظّاهر المقدّس المنزّه عن كل صفة ورواية، الذي أوجد العقول الصّافية عرفان وجودِهِ وقصر غوائل الأفكار الوافية عن البلوغ الى كنهِهِ وتحديدِهِ.

وبعد،

فإننا نرى هذا العصر تتصاعد دقّاته وآلامه، والزّمان تتسابق دقائقه وأيّامه، ونستشعر تسرّب السنون من بين أضلعنا يتلقّفها الجريان، وتتسارع الدقائق كالثّوان، وكأنّ الزّمن يتحضّر للانفلات من معادلاتٍ كونيّة وقوانينٍ ضابطةٍ وضعية، وكأنّ الأمور تتسارع حقّاً الى آجالها، والحياة كلُفافة الورق كلما قرُبت من نهايتها كلما تسارع دورَانُها وخفّ اتّزانُها.

وقد يتسائل المرء عن هذا الفراغ المُطبق المُتغلغل في العقول والقلوب، وما يتبعه من ضجر النفوس وضياع معالم الأشياء، وقد تشَابكت جداول الأوردة وتسَارعت نبضات الأفئدة. ولا سبيل للشكّ أن هذا الضياع ينمّ عن تحوّلنا عن حقيقيّة الوجود، والمتاهة في هذا العصر المتلاهي الموجود. فبِتّمسّكنا بالزّخاريف المُصطنعة يَشتّ فينا الهوى عن الرّياضة بالمعاني الروحيّة البريقة، وبتّعلّقنا بالأهواء المستخدَعة يجذّ بنا الزّمان عن الجوهر والقصد والحقيقة .

فيا ليتنا حقّاً نتوقف قليلاً عن الانغماس المادي، ونغور في الذوات لنحيي الحقائق. فالحقائق والمعاني لا يُدركها الاّ من اطّلع على مصطلحات الباطن، وعَرف دقائق معانيه وخوافي مدلولاته، وقد تستغلق هذه الحقائق الفضيلة وتمتنع تلك المعاني الجليلة إلّا عن المتأهّب لإدراكها، المُهيّأ لاستقبالها، والحريص على تقديرها وإمساكها. فمن تَاقت نفسه الى إحياء الوليّة وأزعجته الأشواق الهنيّة، وهزّه نسيم الأنس الى معراج الحياة الأبدية، فليُوطّد نفسه على اقتناء الفضائل المرضيّة، واكتساب الأخلاق الرّضية.

فلا تلتبسنَّ عليكم زهرة دار الغرور، ولا يغبطنّكم تخوّل الأضداد وتظافر شأنهم والاستمداد، ولا تستفزنّكم أهواء النّفوس الى التأسّي بهذا العالم المنكوس. وممّا لا سبيل للشكّ فيه أنّ النفوس المرتاضة قد تقلّقت من مرائر الاحتمال، وضاقت عن مدارج الاِمهال، فساد الأحوال وتناسي الأواخر والآجال، فتداعت الهمم والأعمال وتطاولت الأماني والآمال.

وانّ اعظم ما يُبتلى به المشمّرون عن ساق الجدّ هو حبّ الشرف والمحمدة، فهذه من غوائل النّفس المَرَضية اذ لا سبيل لدملها الّا ببتر التطّاول وكيّ التّشاوف، فعسانا نستنفر الهمم بحثاً عن الجوهر المتواجد الدّفين ونمتلك مفاتيح الغنى وأدوات المعاينة واليقين.

فاذا ما تجمّعت المطائرالمُتجاذَبة وتكثّفت في ارادةٍ صلبة متّحدة، لا بدّ وأن تهطل بغيث الاستدراك، وتنبثق ينابيع التّوبة ومناهل الوعي والاحتراس، فَتُكرَم النفوس بشَرف الامتراء من الموارد الذكيّة وترتاض الأذهان بالعلوم البديعيّة الجوهريّة.

بقلم: الأستاذ الشيخ رامي حمص.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.